طرح “بنك القاهرة” يفتح ملف تقييم البنوك
تتجه أنظار المستثمرين في البورصة المصرية إلى الطرح المرتقب لـ«بنك القاهرة»، ليس فقط باعتباره صفقة جديدة ضمن برنامج الطروحات الحكومية، ولكن لما يحمله من دلالات أوسع قد تعيد تشكيل خريطة تقييمات القطاع المصرفي بالكامل.
ويكتسب الطرح أهمية خاصة في ظل التساؤلات حول مضاعفات التسعير المتوقعة، والتي قد تتحول إلى معيار استرشادي لإعادة تقييم البنوك المقيدة، بين سيناريو يدعم ارتفاع التقييمات حال التسعير عند مستويات مرتفعة، وآخر يُبقي الأوضاع على حالها إذا جاء الطرح بتحفظ.
مضاعفات منخفضة رغم قوة الأداء
وقال هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث بشركة الأهلي فاروس، إن أسهم البنوك المصرية تتداول عند واحد من أدنى مضاعفات الربحية عالميًا، موضحًا أن ذلك لا يعكس ضعفًا في الأداء، بل يرتبط بسياسات توزيع الأرباح داخل القطاع.
أضاف أن مضاعفات الربحية في بعض البنوك تتراوح بين 2 إلى 5 مرات، وهي مستويات منخفضة مقارنة بالأسواق العالمية، نتيجة احتفاظ البنوك بجزء كبير من أرباحها لدعم القاعدة الرأسمالية بدلًا من توزيعها نقديًا.
وأوضح أن البنوك، وعلى رأسها «البنك التجاري الدولي»، تحقق أرباحًا قوية تقترب من 80 مليار جنيه سنويًا، لكن السوق لا يسعر هذه الأرباح بالكامل، نظرًا لأن نسبة كبيرة منها يعاد تدويرها في صورة أرباح محتجزة أو أسهم مجانية لتعزيز رأس المال.
جنينة: مضاعفات ربحية القطاع عند أدنى مستوياتها عالميًا بسبب سياسات الاحتجاز
وأشار إلى أن المستثمرين يتعاملون فقط مع الجزء القابل للتوزيع من الأرباح عند احتساب التقييم، ما يؤدي إلى انخفاض مضاعف الربحية الظاهري، رغم قوة الأداء التشغيلي.
أرجع جنينة هذا التوجه إلى التطورات التي تعرض لها القطاع المصرفي خلال السنوات الماضية، وعلى رأسها تحركات سعر الصرف منذ 2016، وارتفاع أسعار الفائدة، ما دفع البنوك إلى تبني سياسات تحفظية لتعزيز كفاية رأس المال.
وأوضح أن الحد الأدنى لنسبة كفاية رأس المال يبلغ نحو 12.5%، بينما تحافظ البنوك فعليًا على مستويات تتراوح بين 20% و24%، وهو ما يتم عبر احتجاز جزء كبير من الأرباح.
ولفت إلى أن عام 2024 شهد بداية تحول نسبي في هذا النهج، مع اتجاه بعض البنوك لزيادة التوزيعات النقدية، وهو ما ساهم في تحسن تدريجي في تقييم الأسهم، مشيرًا إلى أن «البنك التجاري الدولي» رفع نسبة التوزيعات إلى نحو 25% مقارنة بمستويات أقل في السنوات السابقة.
وأضاف أن استمرار هذا الاتجاه قد يدعم إعادة تقييم القطاع تدريجيًا، لتقترب مضاعفات الربحية من المستويات العالمية التي تتراوح بين 10 و12 مرة.
الألفي: القيمة الدفترية المعيار الأدق للتقييم ومتوسط القطاع عند 1.2 مرة
وقال عمرو الألفي، رئيس استراتيجيات الأسهم بشركة «ثاندر»، إن تقييم البنوك لا يجب أن يعتمد على مضاعف الربحية فقط، مشددًا على أن مضاعف القيمة الدفترية يعد الآداة الأدق لقياس القيمة العادلة.
وأوضح أن البنوك المصرية تتداول عند مستويات متفاوتة من هذا المضاعف، حيث تقل بعض البنوك عن قيمتها الدفترية مثل بنك قطر الوطني والمصرف المتحد وبنك فيصل الإسلامي، في حين تتداول بنوك أخرى عند مضاعفات أعلى تصل إلى نحو مرتين، مثل البنك التجاري الدولي.
وأشار إلى أن متوسط مضاعف القيمة الدفترية للقطاع يدور حول 1.2 مرة، مع صعوبة تعميم هذا الرقم، نظرًا لاختلاف كفاءة البنوك في تحقيق العائد على حقوق المساهمين (ROE).
وأضاف أن البنوك ذات العائد المرتفع تحظى بتقييمات أعلى، بينما تتراجع مضاعفات البنوك ذات الأداء الأقل، مؤكداً أن هذا المؤشر يعكس بصورة أدق الأداء الحقيقي لأنه يستند إلى حقوق الملكية المتراكمة.
طرح بنك القاهرة.. اختبار للسوق
في المقابل، قال عبدالحميد إمام، رئيس قسم البحوث بشركة بايونيرز لتداول الأوراق المالية، إن طرح بنك القاهرة يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة السوق على استيعاب تقييمات أعلى لأسهم البنوك.
وأوضح أن التقييم النهائي لم يحسم بعد، مشيرًا إلى أن الفجوة بين رؤية الحكومة كمُصدر، والمستثمرين كمشترين، تظل العنصر الحاكم في تنفيذ الطرح.
وأضاف أن أي تسعير مرتفع للطرح قد ينعكس إيجابيًا على القطاع بالكامل، عبر إعادة تسعير أسهم البنوك المقيدة، بينما التسعير المنخفض قد لا يغير الصورة الحالية بشكل كبير.
وأشار إلى أن تأخر الطرح خلال السنوات الماضية يعود بالأساس إلى هذا الخلاف حول التقييم، وهو ما يجعل توقيته الحالي أكثر حساسية في ظل المتغيرات الاقتصادية.
إمام: تسعير البنك قد يقود إعادة تقييم شاملة لأسهم القطاع
أكد إمام أن القطاع المصرفي يظل أحد أكثر القطاعات تماسكًا في البورصة المصرية، حيث أسهم في دعم استقرار المؤشر الرئيسي «EGX30» بالقرب من مستوى 52 ألف نقطة، رغم الضغوط الاقتصادية.
وتوقع أن يقود القطاع أي موجة صعود مقبلة، مع إمكانية تحرك المؤشر إلى مستويات 55 ألفًا ثم 60 ألف نقطة، حال تحسن الأوضاع الاقتصادية وهدوء الضغوط.
وأشار إلى أن سهم البنك التجاري الدولي يظل المحرك الرئيسي للقطاع، نظرًا لوزنه النسبي الكبير، مع وجود فرص لإعادة تقييم باقي البنوك وفقًا لظروف كل منها.
وذكر أن القطاع المصرفي المصري ما زال يتداول دون قيمته العادلة في بعض الحالات مقارنة بالأسواق الإقليمية، مؤكدًا أن طرحًا بحجم “بنك القاهرة” قد يمثل نقطة تحول تعيد رسم خريطة التقييمات في السوق بالكامل.



