هل تُبطئ حرب إيران توسع الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط؟
ضخت شركات التكنولوجيا، مليارات الدولارات في مشاريع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالشرق الأوسط خلال السنوات القليلة الماضية، مدفوعة بتوافر الطاقة الرخيصة والأراضي الجاهزة، إلى جانب دعم الحكومات المحلية.
لكن امتداد حرب إيران إلى دول مجاورة في الشرق الأوسط يثير تساؤلات حول مستقبل توسع مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية في المنطقة، لا سيما إذا تحول الصراع إلى نزاع طويل الأمد، وفق ما قاله خبراء لشبكة “سي إن بي سي”.
وقد استُهدفت مراكز البيانات بالفعل، إذ طالت موجة الهجمات الانتقامية الإيرانية منشآت “أمازون ويب سيرفيسز” في الإمارات والبحرين، ما أدى إلى انقطاعات في الخدمات المصرفية وخدمات المدفوعات والخدمات المؤسسية والاستهلاكية.
رغم أن حرب إيران لن تدفع على الأرجح شركات الحوسبة السحابية العملاقة إلى الانسحاب من مشاريع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي القائمة في المنطقة، فإنها قد تؤثر في الاستثمارات المستقبلية إذا طال أمد الأعمال العدائية.
التوترات الجيوسياسية تدفع الشركات لتسريع مشاريعها خارج الشرق الأوسط
قال باتريك جاي مورفي، المدير التنفيذي للوحدة الجيوسياسية في “هيلكو جلوبال”، لشبكة “سي إن بي سي”، إنه قد يحدث “تحول في المواقع التي ستُبنى فيها الموجة التالية من القدرات”.
وأضاف: “إذا استمرت المخاطر الجيوسياسية في الارتفاع في الخليج، فقد تسرع الشركات مشاريعها في أماكن مثل شمال أوروبا أو الهند أو جنوب شرق آسيا، حيث يكون إمداد الطاقة والأطر التنظيمية والظروف الأمنية أكثر قابلية للتنبؤ”.
أهداف للهجوم
أصبح الشرق الأوسط بسرعة مركزاً رئيسياً لشركات التكنولوجيا التي تسعى إلى بناء بنية تحتية لدعم طفرة الذكاء الاصطناعي.
وقد أثمرت الجهود المنسقة من حكومات المنطقة لجذب الاستثمارات الدولية، والتخلص من الاعتماد على الصين لإرضاء الإدارة الأمريكية، عن نتائج ملموسة.
تشارك شركات “أوراكل” و”إنفيديا” و”سيسكو” جميعها في حرم الذكاء الاصطناعي التابع لشركة “أوبن إيه آي” في الإمارات، الذي يحمل اسم “ستارجيت”، والذي سيمتد بالتعاون مع شركة “جي 42” الإماراتية على مساحة 10 أميال مربعة، وبقدرة تبلغ 5 جيجاوات.
كما تضخ الشركة السعودية “هيومين” مليارات الدولارات في مشاريع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، فيما أعلنت “مايكروسوفت” أنها ستستثمر 15 مليار دولار في الإمارات بحلول عام 2029.
لكن الاعتبارات الأمنية المتعلقة بالمنشآت التي تُشغل البنية التحتية الرقمية في المنطقة خضعت لتدقيق مكثف خلال الأسبوع الماضي عقب الهجمات الإيرانية.
وتشير تلك الضربات إلى أن مراكز البيانات قد تُعتبر الآن “أهدافاً مشروعة للهجوم في النزاعات المسلحة الحديثة”، بحسب ألوك ميهتا، المدير في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.
وأضاف أن “ذلك سيغير بشكل كبير طريقة تفكير الشركات في أمن مراكز البيانات مستقبلاً”.
وأشار إلى أن شركات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي من المرجح أن تضع خطط طوارئ بسبب الوضع، “إما عبر النظر في التحول إلى مناطق أقل عرضة للمخاطر، أو من خلال تحصين مراكز البيانات الحالية والمستقبلية بأنظمة دفاع صاروخي وتقنيات مضادة للطائرات المسيرة”.
نزاع طويل الأمد
لا تزال ثمة عوامل جذب قوية للشركات التي تتطلع إلى بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط.
وقالت تيس ديبلانك-نولز، المديرة الأولى في المجلس الأطلسي، لشبكة “سي إن بي سي”: “لا تزال المنطقة جذابة للشركات من حيث رأس المال المتوافر عبر الصناديق السيادية، ودعم الحكومات، والطاقة المتاحة، ودورها كبوابة إلى أسواق الجنوب العالمي”.
من المرجح أيضاً أن تسارع حكومات الشرق الأوسط إلى طمأنة الشركات الأمريكية وتشجيعها على الحفاظ على التزاماتها في المنطقة.
وقال ميهتا، إن “الإمارات ترى أن توسع الذكاء الاصطناعي عنصر حاسم لمستقبلها، وهي تراهن بقوة على هذه التكنولوجيا”.
وأضاف أنها تستثمر مليارات الدولارات لدعم التحول في مجال الذكاء الاصطناعي، ولعبت دوراً محورياً في تسهيل العديد من شراكات البنية التحتية الكبرى في هذا المجال.
نظراً للتكاليف الضخمة المستثمرة في المنشآت العاملة بالفعل، إلى جانب عقود الطاقة واتفاقيات الأراضي واتصال الألياف الضوئية، فمن غير المرجح أن تسعى شركات الحوسبة السحابية العملاقة إلى نقل القدرات التي تم بناؤها.
وقال تانكريد فولوپ، كبير محللي الأسهم في “مورنينجستار”، لشبكة “سي إن بي سي”: “عادةً ما تحتاج مراكز البيانات إلى أن تكون قريبة من عملائها لضمان زمن استجابة منخفض وخدمة موثوقة. لذلك فإن نقل المنشآت أو إغلاقها قد يؤدي إلى خرق اتفاقيات مستوى الخدمة ومخاطر تتعلق بالسمعة”.
الهجمات تُعيد تعريف مراكز البيانات كأهداف مشروعة في النزاعات الحديثة
لكن التخطيط للسيناريوهات المرتبطة بحرب إيران وتأثيرها في منطقة الشرق الأوسط الأوسع سيبقى حاضراً في حسابات لجان الاستثمار ومجالس الإدارة.
وبدلاً من الخروج من المنطقة، قد تتخذ الشركات خطوات “للتحوط لاستثماراتها”، عبر إبطاء نشر رؤوس أموال جديدة أو تعليق الشراكات المخططة، بحسب ديبلانك-نولز.
وأضافت أنه إذا استمر الصراع أو تصاعد، فقد تتحول هذه التحوطات إلى “تقييم لمراكز إقليمية بديلة لتقليل التعرض للاضطرابات المستمرة الناجمة عن نزاع إقليمي أوسع”.
وقد تدفع حرب إيران شركة تطوير البنية التحتية الرقمية “بيور داتا سنتر جروب”، التي تمتلك مراكز بيانات تشغيلية في الرياض وأبوظبي وتخطط لتوسعات إضافية في الشرق الأوسط، إلى “إبطاء” وتيرتها في المنطقة، وفق ما قاله جاري فويتاسزيك، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي المؤقت للشركة، لشبكة “سي إن بي سي”.
وأشار فويتاسزيك إلى توافر الطاقة ورأس المال في الشرق الأوسط قائلاً: “حتى الأسبوع الماضي، كنت أقول: هذا رائع، أليس كذلك؟ أما الآن فأقول: حسناً، ربما سنبطئ هنا”.
وأضاف: “لكنني أعتقد أنه في نهاية المطاف ستهدأ الأعمال العدائية”، مشيراً إلى أنه “سيكون هناك تركيز أكبر بكثير على تنفيذ مشاريع التطوير هناك” في المستقبل.
تساؤلات جدية حول مستقبل الطفرة الرقمية في الخليج
وقال ميهتا إن الشركات قد تبدأ بإجراء حسابات كلفة ومنفعة لتوجيه خططها الاستثمارية المستقبلية.
وأضاف: “سيطرحون أسئلة مثل: كم قد تطول هذه الحرب؟ ما تكلفة إجراءات التحصين الجديدة؟ هل توجد مواقع بديلة قابلة للتطبيق لبناء مراكز بيانات؟ كم سيؤدي التحول إلى موقع بديل إلى تأخير؟”.
رفضت “جوجل” و”مايكروسوفت” التعليق على كيفية تأثير حرب إيران في مشاريع مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي التابعة لهما في المنطقة.
ولم ترد كل من “أمازون ويب سيرفيسز” و”جي 42″ و”هيومين” و”أوبن إيه آي” على طلبات التعليق حتى وقت النشر.



