عاجل

هل تُفجر حرب إيران موجة تضخم تُطيح بالتعافى العالمى؟

%20 من نفط العالم يمر عبر “هرمز” ما يجعله بؤرة صدمة أسعار عالمية

يمكن أن تؤدي صدمة التضخم الناجمة عن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران ، إلى تقويض التعافي الاقتصادي العالمي الهش الذي كان يُتوقع أن يكتسب زخمًا هذا العام.

مع صعود أسعار النفط والغاز، رغم تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحماية ناقلات الطاقة التي تعبر مضيق هرمز، وهو أحد أهم نقاط الاختناق في التجارة العالمية، حذر محافظو البنوك المركزية وخبراء الاقتصاد، من أن إطالة أمد الصراع قد تدفع أسعار التجزئة إلى الارتفاع على مستوى العالم، وتُجبرهم على إعادة النظر في توقعات النمو المرسومة لهذا العام.

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، يوم الجمعة، إن ارتفاعاً بنسبة 10% في أسعار الطاقة يستمر لمدة عام كامل، من شأنه أن يزيد التضخم العالمي بنحو 40 نقطة أساس، ويخفض معدل نمو الاقتصاد العالمي بما يتراوح بين 0.1% و0.2%.

وأضافت جورجيفا في تصريحات لـ”بلومبرج”: “أظهر الاقتصاد العالمي قدراً ملحوظة من المرونة. صدمة تلو أخرى، ومع ذلك لا يزال النمو عند 3.3%”.

يرى عدد من خبراء الاقتصاد أن قفزة أسعار الطاقة وتكاليف النقل، رغم ثقلها على كاهل الأسر والشركات، قد تتحول إلى عامل ثانوي إذا أدى قصف إيران من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل إلى اضطراب الأسواق المالية، التي تواجه بالفعل مخاوف من تضخم تقييمات أسهم الذكاء الاصطناعي وتداعيات الرسوم الجمركية الأمريكية على الواردات.

قال اللورد جيم أونيل، كبير الاقتصاديين السابق في “جولدمان ساكس أسيت مانجمنت” والمستشار الحكومي السابق: “لم تبدأ هذه الحرب والعالم في وضع مستقر”.

يحذر محللون أيضاً من الفوضى التي أطلقتها الضربات الإيرانية الانتقامية على الكويت ودبي والسعودية، وأخيراً أذربيجان، والتي قد تُفضي إلى إعادة تشكيل إضافية للتحالفات الاستراتيجية العالمية، في اتجاه لا يخدم مصالح الغرب.

أشار أونيل، وهو عضو مستقل في مجلس اللوردات، إلى أن البيت الأبيض بدا وكأنه لم يمنح وزناً كافياً للانعكاسات الجيوسياسية لاغتيال المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي وما أعقبه من حملة قصف.

وأضاف: “قد تنظر دول الخليج إلى الولايات المتحدة باعتبارها شريكاً غير موثوق، ما قد يدفعها إلى التقارب أكثر مع الصين والهند والبرازيل”.

اكتسب أونيل شهرة قبل أكثر من 20 عاماً عندما صاغ مصطلح “بريكس” للإشارة إلى الاقتصادات الصاعدة البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، قبل أن يتوسع التكتل لاحقاً ليضم إيران والسعودية ضمن مجموعة أوسع تضم 11 دولة، بحسب صحيفة “الجارديان” البريطانية.

تُعد السعودية والإمارات والكويت من بين الدول التي تعرضت منشآت بنية تحتية حيوية لديها، تشمل مطارات ومصافي نفط ومحطات غاز، لهجمات بصواريخ وطائرات مسيرة إيرانية.

وحال استهدفت إيران بعضاً من أكثر من 450 محطة لتحلية المياه التي تؤمن إمدادات المياه العذبة للمنطقة، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام اضطرابات اجتماعية.

إغلاق المضيق عدة أشهر يُنذر بقفزة 80% في الأسعار إلى 108 دولارات للبرميل

يمر ما يقرب من 20% من إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز.

واستناداً إلى دراسات أكاديمية وخبرات سابقة في اضطرابات الإمدادات، تقدر “بلومبرج إيكونوميكس” أن تراجع المعروض العالمي بنسبة 1% كفيل بدفع أسعار النفط للارتفاع بنحو 4%.

وبناءً على هذه التقديرات، فإن إغلاق المضيق لعدة أشهر قد يؤدي إلى قفزة في الأسعار تصل إلى 80% مقارنة بمستويات ما قبل حرب إيران، ما يرفع سعر البرميل إلى نحو 108 دولارات.

تتوقع “أكسفورد إيكونوميكس” أن يسجل التضخم بنهاية العام في كل من المملكة المتحدة ومنطقة اليورو، زيادة تتراوح بين 0.5 و0.6 نقطة مئوية فوق التقديرات السابقة.

وكان معدل التضخم قد بلغ 3% في المملكة المتحدة خلال يناير، مقابل 1.9% في منطقة اليورو خلال فبراير.

أما في الولايات المتحدة، فلم تتغير توقعات النمو حتى الآن، إذ يرجح خبراء الاقتصاد تحقيق نمو بنسبة 2.2% خلال العام الحالي.

ويعزى ذلك إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة بالجملة يُقابل بمكاسب كبيرة لشركات التكسير الهيدروليكي الأمريكية، التي تستفيد من زيادة أرباحها نتيجة بيع الغاز المنتج محلياً بأسعار أعلى.

مع ذلك، بدأ المستهلك الأمريكي يشعر بالأثر المباشر، بعدما ارتفعت أسعار خام برنت بنسبة 17%، وهو ما انعكس سريعاً على أسعار الوقود في محطات البنزين، التي تميل إلى الارتفاع بنحو 2.5 سنت مقابل كل زيادة قدرها دولار واحد في سعر البرميل عالمياً.

ومنذ السبت الماضي، زادت الأسعار في محطات الوقود بمتوسط 15 سنتاً للجالون في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، بحسب بيانات خدمة تتبع الأسعار “غاز بادي”.

على المدى الأطول، يُرجح أن تنعكس اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية مجدداً على الاقتصاد الأمريكي، عبر دفع تكاليف السلع والخدمات إلى مستويات أعلى، في وقت يرى فيه كثير من الأميركيين أن الأسعار مرتفعة بالفعل.

كان الاستياء من ارتفاع تكاليف المعيشة عاملاً محورياً في هزيمة جو بايدن، فيما يجد ترامب نفسه حالياً أمام تحدي إقناع الرأي العام بقدرته على احتواء التداعيات الاقتصادية للصراع.

في هذا السياق، يُتوقع أن يُعيد كيفن وورش، مرشح ترمب لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، استجابة البنك المركزي للتضخم.

وإذا التزم بتوجهات الرئيس، فقد يمضي إلى خفض أسعار الفائدة فور توليه المنصب في مايو، حتى في حال استمرار الضغوط التضخمية.

كانت الأسواق المالية قد منحت، الأسبوع الماضي، احتمالاً بنسبة 97% لإبقاء الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المرتقب لاحقاً هذا الشهر، في انتظار اتضاح مسار الصراع الإيراني قبل اتخاذ أي إجراء.

أوروبا تحت ضغط الصراع

بحسب المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية في المملكة المتحدة، قد ينخفض النمو الاقتصادي في كلٍ من المملكة المتحدة ومنطقة اليورو بنحو 0.2% خلال العام الجاري إذا استمرت تداعيات الصراع.

وفي حالة المملكة المتحدة، يعني ذلك تراجع معدل نمو الدخل القومي، أو الناتج المحلي الإجمالي، من 1.1% وفق تقديرات مكتب مسؤولية الميزانية إلى 0.9%.

أما في منطقة اليورو، فمن المتوقع أن تُخفض المفوضية الأوروبية توقعاتها للنمو من 1.2% إلى 1%.

وفي ظل فترة ممتدة من الأداء الاقتصادي الضعيف، فإن مثل هذه التخفيضات من شأنها أن تُضعف الاستثمار، وتزيد كلفة الاقتراض، وتفاقم الضغوط على المالية العامة.

على مستوى الأسعار، ارتفع سعر الديزل في المملكة المتحدة بمقدار 5 بنسات منذ اندلاع الصراع ليصل إلى 147 بنساً للتر، وهو أعلى مستوى منذ أغسطس 2024، فيما صعد سعر البنزين 3 بنسات إلى متوسط 136 بنساً للتر، وفق بيانات “آر إيه سي”.

وهذا يمثل عبئاً إضافياً على الأسر التي تكافح بالفعل لمواكبة ارتفاع تكاليف السلع الأساسية، وهي قضية تحولت إلى محور جدل سياسي قبل الانتخابات المحلية في المملكة المتحدة في مايو، وانتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة في نوفمبر.

أظهر استطلاع رسمي نشره مكتب الإحصاءات الوطنية الشهر الماضي أن 88% من البالغين يعتبرون تكلفة المعيشة القضية الأكثر إلحاحاً التي تواجه بريطانيا.

وكشف استطلاع حديث أجرته “يوجوف” أن نحو 42% من الأمريكيين يرون أن وضع الاقتصاد الأمريكي سئ، وهو أعلى مستوى يُسجل منذ سبتمبر 2024.

وتزايد هذا الاستياء مع الغضب من نظام الرسوم الجمركية الذي فرضه ترامب، إذ أفاد معظم المشاركين في استطلاع منفصل أجرته “يوجوف” بأن هذه الرسوم دفعتهم إلى دفع مبالغ أكبر مقابل السلع والخدمات.

في إشارة إلى هشاشة أوروبا أمام ارتفاع أسعار الغاز والنفط المستوردين، حذر ثلاثة من صانعي السياسات في البنك المركزي الأوروبي، يوم الخميس، من أن تضخم منطقة اليورو مرشح للارتفاع، فيما قد يتباطأ النمو، إذا طال أمد الصراع في الشرق الأوسط وامتد إلى دول أخرى.

قال نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي، لويس دي جويندوس، إلى جانب محافظي البنكين المركزيين في ألمانيا وفنلندا، إنه لا يزال من المبكر استخلاص استنتاجات نهائية، غير أنهم نبهوا إلى أن حرباً أطول وأوسع نطاقاً قد ترفع معدلات التضخم الحالية والمتوقعة.

وأضاف دي جويندوس: “السيناريو الأساسي يفترض أن يكون الأثر قصير الأمد، لكن إذا طال الصراع، فهناك خطر أن تتغير توقعات التضخم”.

معضلة أسعار الفائدة

في المملكة المتحدة، دعا ألان تايلور، عضو لجنة السياسة النقدية في بنك إنجلترا، يوم الاثنين، إلى عدم اللجوء لرفع أسعار الفائدة لمواجهة صدمة في أسعار الطاقة مستوردة من الشرق الأوسط، مؤكداً أن صُناع السياسات في المملكة المتحدة لا يملكون سيطرة تُذكر على هذا النوع من الضغوط الخارجية.

يرى تايلور، أن الخطر الأكبر يكمن في أن تؤدي تكاليف الاقتراض المرتفعة إلى تفاقم التباطؤ القائم، عبر كبح الاستثمار وزيادة معدلات البطالة التي تُعد مرتفعة بالفعل.

غير أن موقفه قد يظل محدود التأثير داخل دوائر صنع القرار، لا سيما بعد تجربة البنوك المركزية عقب الحرب الروسية الأوكرانية، حين جرى تأجيل تشديد السياسة النقدية على أساس أن موجة التضخم مؤقتة.

وقد خلص كثير من مسؤولي البنوك المركزية لاحقاً إلى أن هذا التقدير كان خاطئاً، وأن التحرك كان يجب أن يكون أسرع في مواجهة ارتفاع أسعار النفط والغاز والغذاء.

من جانبه، توقع مايكل سوندرز، كبير المستشارين الاقتصاديين لدى “أكسفورد إيكونوميكس” والمسؤول السابق في البنك المركزي، أن يُبقي بنك إنجلترا سعر الفائدة عند 3.75% في اجتماعه المقبل، وربما طوال ما تبقى من العام إذا استمر الصراع.

وقبل اندلاع الحرب بأيام، كانت الأسواق المالية تراهن على خفضين على الأقل بمقدار ربع نقطة مئوية خلال هذا العام، لتصل الفائدة إلى 3.25%.

في الوقت نفسه، بدأت مؤسسات الإقراض العقاري في المملكة المتحدة بالفعل برفع أسعار الفائدة على قروض الإسكان، ما يشكل ضربة جديدة لمستويات معيشة الأسر التي تواجه ضغوطاً متزايدة وتكافح لاحتواء تكاليفها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى