بنوك

متى تستعد البنوك لتطبيق “الرهن العقاري العكسي”؟ 

يواجه السوق العقاري المصري حالة من الركود الجزئي، نتيجة ارتفاع أسعار الوحدات والأراضي وعدم وجود منظومة تسعير ثابتة تسهل عملية بيع وشراء العقار. ورغم ارتفاع القيمة، إلا أن غياب السيولة يعتبر عائقًا أمام المستثمر والذي يواجه تحديًا عند محاولة تسييل العقار أو الحصول على دخل ثابت، عكس بعض الأوعية الادخارية كالشهادات البنكية والبورصة وغيرها .

ورغم لقب “المليونير” الذي أصبح يمتلكه كثير من المصريين بسبب قيمة الأصول المرتفعة وتراجع سعر الجنيه، إلا أن العديد منهم يواجه صعوبة في تحقيق دخل ثابت من العقار خصوصًا في حالة سكن المالك فيه.

وتقدم البنوك الأمريكية والكندية منتج الرهن العقاري العكسي، وهو أداة تمويلية تتيح لمالك العقار الحصول على سيولة نقدية مقابل قيمة العقار الذي يملكه، دون الحاجة إلى بيع العقار أو سداد أقساط شهرية خلال فترة القرض.

ويعتمد هذا النوع من التمويل على تحويل جزء من قيمة العقار إلى دخل نقدي يحصل عليه المالك دفعة واحدة أو على دفعات منتظمة، مع احتفاظه بحق الإقامة في العقار طوال مدة حياته أو طوال فترة التعاقد.

ويتم سداد القرض لاحقًا عند بيع العقار أو عند وفاة المالك أو انتقاله الدائم من العقار، إذ تُخصم قيمة القرض والفوائد من ثمن البيع، ويؤول المتبقي إن وجد إلى الورثة.

ويُستخدم الرهن العقاري العكسي عادةً كوسيلة لتوفير دخل إضافي لكبار السن الذين يمتلكون عقارات ولا يرغبون في بيعها، مستفيدين من القيمة المتراكمة للعقار لتغطية نفقات المعيشة أو الرعاية الصحية.

ويشهد سوق الرهن العقاري العكسي نموًا متزايدًا عالميًا، مع تركيز النشاط بشكل كبير في الأسواق المتقدمة، وبحسب بيانات تقارير أبحاث السوق، يُقدّر حجم السوق في 2024 بحوالي 18.2 مليار دولار في أمريكا الشمالية، وهو أكبر الأسواق عالميًا، تليها أوروبا بحوالي 4.1 مليار دولار، ثم آسيا والمحيط الهادئ بحوالي 2.5 مليار دولار.

بينما تظل الأسواق في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا محدودة نسبيًا، بحجم يقدر بنحو 300 مليون دولار و100 مليون دولار على التوالي. وتعكس هذه الأرقام الفجوة الكبيرة بين الأسواق الناضجة والأسواق الناشئة، مع توقع استمرار نمو السوق عالميًا في السنوات القادمة.

القاضي: التطبيق في مصر ممكن نظريًا لكنه سيواجه تحديات هيكلية مرتبطة بطبيعة السوق

قال أشرف القاضي، الخبير المصرفي، والرئيس غير التنفيذي في”ميد بنك”، إنه منذ بدء العمل بقانون التمويل العقاري لم يُسمح بهذا النوع من التمويل بضمان العقارات، حفاظًا على الأصول المملوكة للأشخاص من عدم التفريط فيها مقابل الحصول على قروض يمكن استخدامها في سلع استهلاكية تنخفض قيمتها بسرعة مقارنة بالقرض الممنوح والفوائد المترتبة عليه.

وفي السابق البعيد ، كان البنك العقاري المصري يمنح قروضًا مقابل رهن العقارات .. لكنه توقف عن ذلك.

أضاف القاضي، أن فكرة “الرهن العقاري العكسي” تُعد من الأدوات المالية التي أثبتت نجاحها في أسواق متقدمة مثل الولايات المتحدة وكندا، حيث تتوافر بيئة تشريعية مستقرة، وسوق عقاري عالي الشفافية، وثقافة مالية تقبل تحويل الأصول العقارية إلى سيولة شهرية.

أما التطبيق في مصر فهو ممكن نظريًا.. لكنه يواجه مجموعة من التحديات الهيكلية المرتبطة بطبيعة السوق العقاري المصري، وأهمها ضعف السيولة العقارية، إذ يواجه السوق المصري حالة ركود واضحة، ليس بسبب غياب الطلب، بل بسبب فجوة كبيرة بين القدرة الشرائية ومستويات الأسعار الحالية، ما يجعل البنوك أكثر تحفظًا في تملك أصول يصعب بيعها أو تدويرها بسرعة، وهو عنصر أساسي في نجاح الرهن العكسي.

وتابع القاضي: “غياب آلية تقييم عقاري دقيقة، يعتبر تحدي، إذ يعتمد المنتج على تقييم دقيق للعقار، لأن البنك يربط حجم الدفعات الشهرية بالقيمة المستقبلية المتوقعة للأصل. وفي مصر، فإن عدم وجود مؤشر سعري موحد أو قواعد بيانات رسمية يجعل التقييم عرضة للتقلبات والمخاطر”.

أصاف أن مخاطر الملكية والتشريعات تحول دون نجاح المنتج، إذ يتطلب إطارًا قانونيًا واضحًا لحق البنك في تملك العقار بعد الوفاة، وآليات تنفيذ سريعة، وحماية قانونية للطرفين، وهذه العناصر تحتاج إلى تعديل تشريعي أو إصدار لائحة تنظيمية جديدة من البنك المركزي.

وأشار إلى أن المجتمع المصري يرتبط بالعقار كـ”ملاذ آمن” و”ميراث للأبناء”، وبالتالي فكرة التخارج من العقار مقابل سيولة شهرية قد تواجه مقاومة اجتماعية.

وبخصوص إمكانية أن يكون حلًا مؤقتًا لأزمة السيولة، قال القاضي إنه قد يكون أداة مساعدة لشريحة محددة من كبار السن أو أصحاب العقارات غير القادرين على البيع، لكنه لن يكون حلًا واسع النطاق، لأن البنوك لن تتوسع في تملك أصول عقارية في ظل ركود حاد، والمخاطر التقييمية مرتفعة، ودورة رأس المال في العقار بطيئة مقارنة بالمنتجات الائتمانية التقليدية.

وأشار إلى أنه ليس مع تطبيق المنتج في مصر، لأن السوق غير فعال، ضاربا مثالا بمنتج “sell and lease back” في الإيجار التمويلي كان محدودًا من البنك المركزي بحد 5%؜ من محفظة كل بنك بسبب إساءة استخدامه.

وأضاف أن المنتج العقاري لن يكون مجديًا بدرجة كبيرة، لأن الأفراد محكومون بنسبة تسليفية لا تزيد على 50% من صافي دخلهم، وفي هذه الحالة سيكون من الأفضل لهم الحصول على تمويل شخصي أو بطاقة ائتمانية أو غيرها من قروض التجزئة.

ناجي: المالك قد يعيش في العقار عشرات السنوات ما يزيد المخاطر

وقال وليد ناجي، الخبير المصرفي، ونائب رئيس مجلس إدارة البنك العقاري سابقًا، إن منتج الرهن العقاري العكسي معروف وقديم، ولا توجد فيه مشكلة من الناحية التقنية، لكنه يمتلك مزايا وعيوبًا.

أضاف أن البنك المركزي حاليًا يمنع هذا النوع من التمويل في مصر، ويقتصر القرض العقاري على شراء عقارات جديدة فقط، ولا يُسمح باستخدام العقارات القائمة كضمان للحصول على قروض.

أكد ناجي أن العيب الأساسي للقرض العقاري العكسي يكمن في أن منح القرض يتم بناءً على الضمان العقاري وليس على مصدر الدخل، وهو ما يمثل خطورة كبيرة، لأن مصدر السداد الفعلي يجب أن يكون الدخل الثابت للشخص، وليس العقار نفسه، الذي لا يمكن أن يكون مصدر سداد فعلي.

وتابع : “حال منح القرض على العقار فقط، يواجه البنك مشكلة كبيرة إذا لم يسدد المقترض القرض، خصوصًا إذا كان يقيم في العقار، إذ تصبح عملية نقل الملكية أو بيع العقار معقدة جدًا، ويظهر هنا البعد الاجتماعي للمسألة.. فالمالك قد يعيش في العقار عشرات السنوات، مما يزيد المخاطر والتعقيد القانوني والاجتماعي”.

أضاف ناجي، أن نسبة القرض إلى قيمة العقار غالبًا لا تتجاوز 30%، ومع ذلك فإن البعد الاجتماعي يظل مؤثرًا بشكل كبير، مؤكّدًا أن منح القرض يجب أن يكون قائمًا على مصدر سداد حقيقي لضمان استدامة التمويل.

وأشار إلى أن القروض الشخصية العادية، التي تُمنح بناءً على دخل ثابت، تعد الحل الأمثل في السوق المصري، لأنها لا تعتمد على العقار كضمان، وهو ما يتوافق مع سياسات الدولة والجهاز المصرفي الذي لايشجع على استخدام العقار كأداة استثمارية مباشرة، وإنما لأغراض السكن والاستخدام الشخصي.

وأوضح أنه في ظل الوضع الحالي للسوق المصري، لا ينصح بتطبيق الرهن العقاري العكسي، لأنه يؤدي إلى زيادة نسبة القروض مع مخاطر عالية، ويظل القرض الشخصي العادي هو الحل الأكثر أمانًا وملاءمة للأفراد.

عبدالحميد: السوق المصري “مؤهل” للتطبيق بشرط توافر الآليات التنفيذية المناسبة

وقال أيمن عبدالحميد، العضو المنتدب لشركة التعمير للتمويل العقاري، إن الرهن العقاري العكسي يمثل آلية تمويل فعالة تتيح لأصحاب العقارات الحصول على سيولة مالية مقابل أصولهم العقارية مع احتفاظهم بحق السكن.

وأضاف أن هذا النموذج يحقق منفعة مزدوجة للعميل، إذ يوفر له تدفقات نقدية تساعده على تلبية احتياجاته المعيشية، دون التخلي عن السكن أو الانتفاع بالعقار طوال فترة حياته.

وأوضح عبدالحميد، أن السوق المصري يمتلك ثروة عقارية كبيرة غير مستغلة ومغلقة، مؤكدا أن تفعيل الرهن العقاري العكسي من شأنه تحرير جزء معتبر من هذه القيمة الكامنة وتحويلها إلى سيولة تضخ مباشرة في الاقتصاد، بما يدعم النشاط المالي والاستثماري.

وأشار إلى أن السوق المصري مؤهل لتطبيق هذا النوع من التمويل، لافتا إلى وجود أطر قانونية وتنظيمية تسمح بتفعيله، وأنه لا توجد معوقات جوهرية تحول دون إطلاقه، حال توافر الآليات التنفيذية المناسبة.

الشيخ: الوعي بهذه الآلية التمويلية لا يزال محدودًا لدى العملاء

قال علاء الشيخ، خبير التسويق العقاري، إن الرهن العقاري العكسي يعد من أدوات التمويل التي توفر سيولة مالية لأصحاب العقارات، واصفًا الفكرة بأنها جيدة ومفيدة، إلا أن السوق المصري لم يصل بعد إلى مرحلة التطبيق الفعلي لهذا النموذج.

أضاف أن الوعي بهذه الآلية التمويلية لا يزال محدودا لدى العملاء، مشيرا إلى أن ظهورها بشكل عملي في السوق المحلي قد يستغرق نحو 5 سنوات حتى تتوافر البيئة المناسبة لتقبلها وتطبيقها.

وأشار إلى أن التوسع في استخدام أدوات الرهن العقاري بشكل عام قد يحمل مخاطر اقتصادية إذا لم يتم ضبطه بشكل سليم، لافتًا إلى أن الإفراط في التوسع كان من بين العوامل التي أسهمت في الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008.

وأكد الشيخ، أن نجاح تطبيق الاقتراح يتوقف على وجود تسعير عادل للعقارات، وعوائد مناسبة للعميل، وفوائد مصرفية متوازنة، بما يحقق منفعة لجميع الأطراف وينعكس إيجابيا على السوق العقاري.

وفيما يتعلق بثقافة التوريث السائدة في المجتمع المصري، أوضح الشيخ أن هذا العامل لن يشكل عائقًا جوهريًا أمام تطبيق النظام، نظرا لإمكانية تنظيمه من خلال اتفاقيات قانونية واضحة تبرم مسبقًا.

أضاف أن العميل الذي يلجأ إلى هذا النوع من التمويل يكون على علم تام بشروطه ويقوم بإخطار الورثة مسبقًا، مشيرًا إلى أن الإجراءات القانونية تشمل تعاقدات منظمة بين الورثة والبنوك تحت إشراف المحكمة الاقتصادية ومحكمة الأسرة لضمان وضوح الحقوق ومنع النزاعات.

عبدالمنعم: الرهن العكسي يحقق انفراجة لكبار السن وقد يطبق في مصر بعد عامين

وقال إبراهيم عبدالمنعم، رئيس مجلس إدارة شركة «كونسالتنج» للتسويق العقاري، إن تطبيق نظام الرهن العقاري العكسي سيمثل خطوة مهمة لدعم السوق العقاري في مصر، مؤكدا أنه سيوفر حلًا فعالًا لكبار السن الذين يمتلكون عقارات مرتفعة القيمة لكنهم يفتقرون إلى السيولة النقدية.

وأضاف أن هذا النظام سيتيح لكبار السن الحصول على سيولة مالية مقابل عقاراتهم دون الحاجة إلى بيعها، مشيرًا إلى أن مصر تمتلك ثروة عقارية غير مستغلة لدى شريحة كبار السن يمكن تفعيلها عبر هذا النوع من التمويل.

وأوضح عبدالمنعم، أن الرهن العقاري العكسي يحقق منفعة مزدوجة، إذ يوفر سيولة للعملاء من كبار السن، وفي الوقت نفسه يتيح للبنوك الاستفادة من قيمة العقارات مستقبلًا، بما يعزز كفاءة توظيف الأصول العقارية داخل السوق.

وأشار إلى أن تطبيق النظام قد يستغرق نحو عامين قبل دخوله حيز التنفيذ، لافتًَا إلى أن ثقافة التوريث في المجتمع المصري قد تمثل أحد التحديات أمام انتشاره. فالبنوك ستلجأ إلى وضع بنود تعاقدية واضحة وآليات تحوط قانونية للحد من أي نزاعات محتملة بين المؤسسات المالية والورثة مستقبلًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى