حسين عبدربه يكتب: أزمة رسوم البيليت وصناعة الحديد في مصر
عادت قضية رسوم الحماية على واردات البيليت إلى صدارة المشهد الاقتصادي في مصر كلما ارتفعت حدة المنافسة داخل سوق الحديد.
فبينما ترى بعض الأطراف أن هذه الرسوم تضغط على مصانع الدرفلة التي تعتمد على استيراد المادة الخام، يذهب اتجاه آخر إلى أن هذه الإجراءات تمثل جزءًا من سياسة صناعية ضرورية لحماية وتعزيز الصناعة المتكاملة التي تشكل العمود الفقري لصناعة الحديد والصلب.
لكن خلف هذا الجدل الظاهر، يكمن سؤال أكثر عمقًا يتعلق بمستقبل الصناعة الثقيلة في مصر: هل يجب أن يتركز النمو الصناعي في المراحل النهائية من الإنتاج، أم في بناء سلسلة قيمة صناعية متكاملة قادرة على خلق قيمة مضافة عالية وتوليد صادرات؟.
الإجابة عن هذا السؤال تكشف أهمية الدور الذي تلعبه المصانع المتكاملة في الاقتصاد المصري. فصناعة الحديد عالميًا تقوم على نموذجين رئيسيين للإنتاج.
الأول هو المصانع المتكاملة التي تبدأ الإنتاج من المواد الخام مثل خام الحديد أو الخردة، ثم تمر بعمليات الصهر وإنتاج الصلب السائل قبل تحويله إلى منتجات نهائية مثل حديد التسليح أو المسطحات.
أما النموذج الثاني فهو مصانع الدرفلة التي تعتمد على شراء منتج شبه نهائي – البيليت – ثم إعادة تشكيله لإنتاج حديد التسليح.
هذا الاختلاف ليس مجرد فرق تقني في مراحل الإنتاج، بل يعكس اختلافًا كبيرًا في القيمة الاقتصادية المضافة داخل الدولة.
من توفير المزيد من فرص العمل في كل مرحلة من مراحل الانتاج وما تم توفيرة من نقد اجنبي من انتاج محلي بديل المستورد وما تم توريده للخزانة العامة من نقد اجنبي من تصدير المنتج المحلي .
وتتمتع المصانع المتكاملة بميزة رئيسية تتمثل في قدرتها على خلق سلسلة قيمة صناعية طويلة.
فإنتاج الحديد داخل هذه المصانع يتطلب مجموعة واسعة من الأنشطة الاقتصادية، بدءًا من توريد الخامات ومرورًا بتشغيل الأفران ووصولًا إلى الصناعات المغذية والخدمات اللوجستية.
هذا الامتداد في سلسلة الإنتاج يعني أن كل طن يتم إنتاجه داخل مصنع متكامل يخلق نشاطًا اقتصاديًا أوسع مقارنة بإنتاج يعتمد على مواد شبه مصنعة مستوردة.
كما أن هذه المصانع عادة ما تستثمر في التكنولوجيا الصناعية والبحث والتطوير وتدريب العمالة، وهو ما يسهم في رفع مستوى الخبرة الصناعية المحلية. وتعد صناعة الصلب من أكثر الصناعات كثافة في رأس المال.
فإنشاء مصنع متكامل بطاقة مليون طن سنوياً يتطلب استثمارات ضخمة تقترب من مليار دولار لتوفير الأفران وخطوط الإنتاج والبنية التحتية اللازمة.
لهذا السبب، فإن وجود مصانع متكاملة قوية يعد مؤشرًا على عمق القاعدة الصناعية للدولة.
وقد أظهرت التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في بناء صناعات صلب تنافسية – مثل كوريا الجنوبية وتركيا – اعتمدت على تطوير مصانع متكاملة قادرة على إنتاج الصلب بمختلف مراحله، وليس الاكتفاء بالمراحل النهائية فقط.
ولا تقتصر أهمية المصانع المتكاملة على القيمة المضافة المحلية، بل تمتد إلى قدرتها على دعم الصادرات الصناعية.
فالمصانع المتكاملة يمكنها إنتاج مجموعة واسعة من المنتجات مثل الصلب المسطح ولفائف الصلب والمنتجات الصناعية المتخصصة، وهي منتجات تتمتع بطلب واسع في الأسواق العالمية.
في المقابل، تركز معظم مصانع الدرفلة على إنتاج حديد التسليح الموجه أساسًا للسوق المحلية وقطاع البناء.
وبالنسبة لاقتصاد مثل الاقتصاد المصري، الذي يسعى إلى زيادة صادراته الصناعية وتقليل الضغط على العملة الأجنبية، فإن تطوير قاعدة صناعية قادرة على إنتاج وتصدير منتجات صلب متنوعة يصبح هدفًا استراتيجيًا.
في هذا السياق يمكن فهم فرض رسوم الحماية على واردات البيليت كجزء من سياسة صناعية تهدف إلى تشجيع التصنيع المحلي الكامل بدلاً من الاعتماد على استيراد منتجات شبه مصنعة. وبنسبة 90% من قيمة المنتج النهائي
فالعديد من الدول استخدمت سياسات مشابهة لحماية صناعاتها الاستراتيجية خلال مراحل نموها الأولى.
غير أن نجاح هذه السياسات يتوقف على تحقيق توازن دقيق بين حماية الاستثمارات الصناعية الكبرى والحفاظ على مستوى صحي من المنافسة داخل السوق.
ورغم أهمية المصانع المتكاملة، فإن مصانع الدرفلة تبقى عنصرًا مهمًا في منظومة صناعة الحديد في مصرواصبح لها مراكز قانونية مستقرةفي بيئة الاستثمار بالدولة .
فالقطاع يضم عددًا كبيرًا من المصانع التي توفر فرص عمل وتضيف طاقات إنتاجية إلى السوق المحلية. كما أن وجودها يعزز المنافسة.
لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام صانع القرار ليس فرض ارسوم وقائية في حد ذاته وانما الانحياز الي مصلحة الاقتصاد القومي ككل اي تشجيع الاستثمارات في تعميق الصناعة وتقليل الواردات وتعظيم الصادرات التي تولدها الصناعة المتكامله
وإذا أرادت الدولة تعزيز مكانتها كقاعدة صناعية إقليمية، فإن تطوير صناعة الحديد يجب أن يعتمد على استراتيجية متوازنة تقوم على عدة محاور:
• دعم المصانع المتكاملة لتعزيز القيمة المضافة المحلية.
• خلق أرضية تنافسية مستوية بين المنتجين قائمة علي التجارة العادلة.
• تشجيع التوسع في الصادرات الصناعية.
• تطوير الصناعات المغذية وسلاسل التوريد المرتبطة بالصلب.
هذه المقاربة يمكن أن تحول صناعة الحديد من قطاع يعتمد أساسًا على السوق المحلية إلى قطاع صناعي قادر على المنافسة الإقليمية والدولية. وهنا يجب الاشارة الي ان هدف الرسوم الوقائية ليس غلق باب الاستيراد وانما تحقيق العداتلة السعرية بين المنتج المستورد والمنتج المحلي.
ولذلك فإن الجدل حول رسوم البيليت يعكس في جوهره نقاشًا أوسع حول مستقبل التصنيع في مصر. فالدول التي نجحت في بناء صناعات ثقيلة قوية لم تعتمد على المراحل النهائية من الإنتاج فقط، بل استثمرت في سلسلة القيمة الصناعية كاملة.
ومن هذه الزاوية، تمثل المصانع المتكاملة عنصرًا أساسيًا في أي استراتيجية تهدف إلى تعميق التصنيع وزيادة الصادرات وتحقيق تنمية صناعية مستدامة.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام صانع القرار هو حماية هذه الاستثمارات الاستراتيجية والحفاظ على سوق تنافسية تشجع علي جذب الاستثمار والتوسع في التصدير.



